Home

محمد ديبو

تزامنا مع اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة تداول النشطاء السوريون خبرا يتحدث عن مقتل قناصة تابعة للنظام على مشارف مدينة داريا المحاصرة من قبل قوات النظام منذ شهور طويلة، مانعة الماء والطعام وأبسط شؤون الحياة عن المحاصرين والمحاصرات في المدينة التي قدمت أجمل إبداعات الحراك السلمي السوري وأيقوناتها.

أن تكون المرأة قناصة وقاتلة استولى على ذهني وفرض نفسه على أفكاري مذ طُلب مني إعداد هذه المادة، إذ كلما حاولت طرد طيف تلك القناصة القاتلة لأكتب تعود من فرج اللاوعي لتفرض نفسها، الأمر الذي دفعني لفتح منافذ الكتابة لها، إذ ما الذي يمكن أن تقوله قناصة قاتلة في يوم مناهضة العنف ضد المرأة وهي التي تقتل وتقنص الحياة في مدينة لم يعد بها شيء من الحياة إلا مقاومة أبنائها وبناتها المتشبثين بما تبقى من بؤس هذي الحياة؟

بعيدا عن القتل ( هل حقا يمكن أن نكتب بعيدا عن ذلك؟! لنفترض الأمر) يبدو في الأمر مساواة ما، حيث تمكنت المرأة القناصة هنا من فرض نفسها على عالم طالما كان احتكارا للرجل، فهل هي بفعلها هذا تتباهي بأنها حققت مساواتها الخاصةّ؟

هل هذا ما يمكن أن تقوله القناصة لو لم تقتل بسلاح قناص آخر ربما، دافعة ثمة “مساواتها” في مهنة الموت واقتناص الأرواح غدرا؟

يقودنا الأمر حين التفكير به، إلى أبعد من أشكال الفكر المساواتي مع الرجل حين يسقط القيم من حسابه، فليس كل مساواة هي ندية، إذ لا مساواة في عالم القيم بل انحدار إلى ما دون الإنسانية فهنا نخرج من ثنائيات الذكورة والأنوثة والمساواة لندخل مجال اللاقيم وانحدار الأخلاق، الذي يزيد قمع المرأة بيدها هذه المرة.

قد تبرّر القناصة الأمر، بما تؤمن به، وبأنها تحارب “إرهابيين أو قتلة” كما علّموها، متجاهلة ألاف الضحايا الذين يسقطون جراء حصارها، ناهيك عن الأرواح التي تقتلها بكامل إيمانها. المعيار هنا أن القنص بكامل تجلياته خارج الفعل الأخلاقي ( من أي طرف جاء)، فما بالك حين يكون الأمر مركبا: أي أن تكون قناصا وفي الطرف الخطأ من الصراع؟

ولكن هل كل النساء هكذا؟ وهل هذا مثالا يمكن أن يضرب في يوم مناهضة العنف ضد المرأة؟

على الجانب السياسي نفسه، أي جانب أولئك الذين يقفون إلى جانب النساء، ثمة نساء وأمهات وأخوات وزوجات يعانين العنف مرتين جراء فقدانهن أحبائهن: مرة لأثر الفقد وما يفعله في الروح من هتك، ومرة لعدم قدرتهن على رفع الصوت بوجه من يعيد أبنائهن لهن جثة هامدة تحت مسمّى “شهيد الوطن”.

هنا رغم وجود المرأة في الجانب الخطأ من الصراع السوري إلى جانب الاستبداد، إلا أنها تبقى محتفظة بجوهرها الإنساني الذي يرفض القتل وينحاز لدمعة الأم أينما كانت، مكتفية بالصمت، حين يصعب الكلام، أو يكون ثمنه السجن والقتل.

وعلى الضفة الأخرى من الصراع ثمة أمهات ونساء يقفن بجانب الثورة. يعانين الموت والقصف وألم الفقد على أبنائهن في القبور والمعتقلات والمنافي، فدموع الأمهات والنساء جسرا يجمع ضفتي سوريا الممزقة، حيث يبقى الجوهري العميق يربطهن إلى الألم، فهن يدفعن فاتورة الصراع الكبرى، ويتلقين أثار هذا العنف وحدهن وحدهن، لذا هن الأجدر على قيادة درب السلام السوري الصعب إن قيض له يوما الولادة.

على طرف نقيض من القناصة تقف سورية من نوع آخر، شاهدناها على مدى ثلاث سنوات من الثورة، هي امرأة يقع عليها فعل العنف ولكنها لا ترضخ له بل تواجهه وتشارك جنبا إلى جنب مع الرجل في معركة الحرية الطويلة، غير خائفة من طائرات المستبد وسجونه.

“مجدولين حسن” التي أعلنت اليوم إضرابا مفتوحا عن الطعام من قلب دمشق حتى إطلاق سراح زوجها “عمر الشعار” أحد تلك الوجوه التي لم تتوقف عن العطاء منذ بدء الثورة السورية ومن قبلها بكثير.

امرأة تناضل وتقاوم العنف والسجن بيد، وتبني باليد الأخرى، حيث شاركت مجدولين في العديد من المؤتمرات الخاصة بالمرأة و تطوعت كمستشار قانوني في مركز الثقة لضحايا العنف الأسري، ناهيك عن دفاعها عن العديد من سجناء/سجينات الرأي في سوريا ومشاركتها في ثورة شعبها.

المرأة المقاومة للعنف في سوريا تناضل اليوم لأجلها ولأجل المرأة الممارسة للعنف، علنا نصل غدا بلا عنف ولا قمع ولا اغتيال ولا قنص.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s